اقسام المدونة

الجمعة، 6 يناير، 2017

مراجعة كتاب: إريك فروم .. الايمان ، الحب ، و المجتمع الرأسمالي





فن الحب 
بين الإيمان ، حب الذات ، و المجتمع الرأسمالي
.
يتناول إريك موضوع الحب في كتابه و لكن ليس على شأن كتّاب التنمية البشرية في التعامل مع هذه الموضوعات بأنها شي يسهل احرازه عن طريق اتباع قواعد معينة ، فهو يقوم بتفكيك الحب لاسيما في المجتمع الغربي الرأسمالي و يضع له تعريفاً بأنه: ليس علاقة بشخص معين، إذ إن الحب موقف و اتجاه للشخصية يحدد علاقة الشخص بالعالم ككل لا نحو موضوع واحد للحب.

الشق الاول من الكتاب يعنى بالفن وشرط إحراز السيادة في أي فن هي أن يمّثل أهمية قصوى للمتعلم و يكرّس حياته لأجله و إلا فإنه لن يتعلم شيئاً و سيظل هاوياً و لكن لن يصبح أستاذاً فيه

يتناول إريك في الشق الثاني من الكتاب الحديث عن نظرية الانسان على اعتبار أن الحب هو جواب على مشكلة الوجود الانساني و أن الانسان بالرغم من أنه تجاوز الطبيعة إلا أنه لم يتركها إطلاقاً و لقهر هذا الانفصال و الهرب منه فإنه يلجأ إلى حالات السكر و العربدة و المخدرات إذ معها يختفي العالم الخارجي و يختفي معه الشعور بالانفصال لكن كلها يصنفها إريك بأنها محاولات زائفة و مؤقتة و ليست سوى حلول جزئية لمشكلة الوجود، عدا تحقيق الوحدة بين الأشخاص أو الاندماج و التناغم مع شخص آخر في الحب ، فالحب عند إريك ليس شعوراً سلبياً و لا وعظاً إنه (الوقوفو ليس (الوقوع) و هو أساساً العطاء و ليس التلقي ، فالعطاء يرمز لاتقاد الشخص بالحياة فهو يمنح للآخر الجزء الحي فيه بحيث يعزز من شعور الآخر بالحياة و ذلك بتعزيزه لشعوره هو بالحياة

يتطرق إريك لموضوعات الحب و الذات ،و يؤكد على رأيه بأن حب الذات لا يعبر بشكل أو بآخر عن الأنانية فالشخص الذي يحب نفسه هو قادر على أن يحب الآخرين ، و أن الحب الأساسي ليس الحب الجنسي أو حب الأم أو حب الله إنما الحب الأخوي الذي يتضمن الشعور بالمسؤولية و الرعاية و الاحترام و المعرفة إزاء أي كائن انساني آخر فهو يختزل المعرفة الكاملة في فعل الحب فيقول:إنّ الحب يتجاوز الفكر و يتجاوز الكلمات ، إنه الانغمار الجريء في تجربة الوحدة.

أما في الشق الثاني من الكتاب يتعرض إريك لنقد الأحوال في المجتمع الرأسمالي كظاهرة اجتماعية لا كمجرد ظاهرة فردية استثنائية، فهو يرى أن الشعور العميق بالقلق و الزعزعة و الإثم التي تنجم عن عدم القدرة على تجاوز الانفصال يتم تسكينها و تغييبها من خلال الروتين الصارم للعمل الآلي البيروقراطي الذي يساعد الناس على أن يظلوا غير واعين لأشد رغباتهم الانسانية أساسيةً و الاشتياق إلى التجاوز و الاتحاد، فيخلص إلى أن مبدأ المجتمع الرأسمالي و مبدأ الحب متنافران فالقاعدة الأخلاقية السائدة في المجتمع الرأسمالي هي:(إني أعطيك بقدر ما تعطينيفي السلع المادية و في الحب على السواء، إذ ليس للحياة مبدأ سوى المقايضة العادلة ،و سوى إشباع الاستهلاك، فالانسان لكي يكون قادراً على الحب فالأحرى أن يخدمه الجهاز الاقتصادي بدلاً من أن يخدمه هو و أن يشارك في التجربه و العمل بدلاً من أن يشارك في الأرباح فقط

في الشق الثالث من الكتاب إريك يطرح تساؤلاً محورياً حول: هل يمكن تعلم أي شيء عن ممارسة الحب سوى بممارسته ،و يجيب بأن ممارسة الحب تجربة شخصية لا يمكن أن تكون لدى انسان إلا بنفسه و لنفسه.
و أن الشرط الرئيسي لتحقيق الحب هو القدرة على التركيز(الإنصات)،و قهر ما لدى الإنسان من نرجسية، و الموضوعية" كقطب مضاد للنرجسية "،و الخروج عن التعلق بالأم و القبيلة، و هذا كله يتطلب الإيمان الذي يخضع لتصنيفين رئيسيين عند إريك:
الإيمان اللاعقلاني أي تقبل شيء ما على أنه حق فعلاً لأن سلطة ما أو أغلبية تقول به ، والآخر هو الإيمان العقلاني،و يعني به اقتناع قائم في معايشة الإنسان للفكر أو الشعور و الثقة بقوة تفكيره في الملاحظة و الحكم الناجمة عن الخبرة و الرؤية
و بهذا المعنى فإن الشخص الذي لديه إيمان بنفسه هو وحده القادر على أن تكون لديه ثقة في الآخرين ، فالإيمان هو شرط من شروط الوجود الإنساني فكل ما يهم في علاقة الحب هو الايمان بحب الانسان و بقدرته على إثمار الحب في الآخرين و الوثوق به ، فكل خيانة للإيمان تضعفنا

الخميس، 12 نوفمبر، 2015

الادب الإيروتيكي النسوي بعد ما بعد الحداثة في سياقه الغربي

الادب الإيروتيكي النسوي بعد ما بعد الحداثة في سياقه الغربي
أماني أبو رحمة



ارتبطت الكتابة الايروتيكية النسائية في الغرب بالنسوية (Feminism) التي تبلورت في ستينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من ان تعريف النسوية بوصفها نظرية بدلا من حقيقة كونها حركة تاريخية فاعلة منذ قرون بعيدة يعد اختزالا، إلا إنني سأتناول الجانب النظري من هذه الحركة وارتباطه بالكتابة الايروتيكية النسائية. وفي هذا السياق يمكن تصنيف النظرية النسوية الى ثلاث مجموعات عامة:

 

1. النظريات التي تركز على رؤية جوهرانية تضم التحليل النفسي والنسوية الفرنسية.
2. النظريات التي تهدف الى تحديد او تأسيس تشريعات او نظريات أدبية نسوية بغرض إعادة تفسير او مراجعة الأدب والثقافة والتاريخ من وجهة نظر اقل بطريركية وتضم هذه المجموعة النسوية الليبرالية و النقد النسوي.
3. النظريات التي تركز على الاختلاف الجنسي والسياسات الجنسية وتضم الدراسات الجندرية والنسوية الثقافية والنسوية الراديكالية والنسوية الاشتراكية /المادية.
ساهمت النسوية في تفعيل النقاش الجاد حول ما الذي يعني أن يكون الكائن البشري امرأة ، والبحث في البنى الثقافية والاجتماعية التي حددت السمات الأنثوية وكان من أوائل المشاريع المدرجة في النظرية النسوية إحياء أدب المرأة الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي في حينه.
كان الجدال بشأن حق المرأة في تقرير مصيرها الجنسي او الايروتيكي في قل النظرية النسوية. وتركزت المناقشات حول نقطتين متناقضتين: فمن ناحية عرفت الجنسية البطريركية بوصفها المساحة الأهم لتأكيد دونية المرأة وشيئيتها، ومن ناحية أخرى فإن ممارسة المتعة الايروتيكية وتأكيد حق الإنسان في تقرير مصيره الجنس أصبح عنصرا أساسيا للموضوعية والقوة وبالتالي دعامة أساسي في النضال من اجل تحرير المرأة.
رأت النسوية في الإيروتيكية مصدرا لقوة المرأة وليس لدونيتها، وثُمنت الإيروتيكية من حيث كونها مشاركة جسدية، واعتبرتها سلطة فاعلة لتقويض الهيمنة بكافة أشكالها. واعتقدت ان تبخيس الإيروتيكية ومحاربتها يعود الى طاقة التغير الذي تمنحه للمرأة. وبهذا المعنى أضحت الإيروتيكية ذات بعد سياسي حين امتلكت قوة كامنة ليس فقط من أجل تحقيق الخصوصية الفردية والمتعة وإنما كونها تمنح القوة الاجتماعية بغية إحداث تحويل في مجتمع "عنصري، بطريركي، ومعاد للايروتيكية". شهدت الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي طوفان كتابات أطلق عليها "الإيروتيكية النسوية"- لتميزها عن الكتابة الإيروتيكية التي يكتبها الذكور، التي كانت موجودة دائما في الآداب العالمية، بينما جاءت الإيروتيكية النسائية نتاج وعى جديد بدأ مع الحداثة ومر بعدة مراحل وارتبط بما يعرف الآن بكتابة الجسد- ودشنت بالتالي ظاهرة عرفت لاحقا باسم الثورة الجنسية من منظور نسوي /نسائي. لقد لعبت الكتابات الإيروتيكية النسائية دورا ثلاثي الأبعاد، فمن ناحية استولت الكتابات النسائية على الخطاب الرسمي الذكوري الذي احتكره الذكر لفترة طويلة، وبمعنى آخر أصبحت المرأة فاعلة وليست شيئا في الخطاب الايروتيكي، ومن ناحية أخرى امتلكت المرأة جزءا من السيطرة والسلطة التي كانت متضمنة في خطاب ذكوري التوجه، وعلى هذا الأساس استعادت ممارسة النساء للسلطة ضمن المجتمع البطريركي شرعيتها مرة أخرى.
وعلى الرغم من ذلك نظرت ناشطات نسويات الى الإيروتيكية نظرة عدائية بوصفها تتوسط نوعين أدبيين مهينين للمرأة: الرومانسية والأدب الإباحي، اللذين يميلان ال تصوير النشاط الجنسي للمرأة بوصفه سلبيا وخاضعا.
ان الخط الذي يفصل الرومانسية عن الإيروتيكية، والإيروتيكية عن الأدب الإباحي خط رفيع قد يصعب الحفاظ عليه. فضلا عن أن وضع تعريف مطلق لأي من هذه المصطلحات قد لا يكون أمرا سهلا، لأن الحدود والتخوم بين هذه المناطق الثلاث غالبا ما تتداخل.
ان تصنيفنا لأي فن أو أدب بوصفه ايروتيكي او اباحي يعتمد على عوامل عديدة، ويتضمن التوجهات الثقافية السائدة. ففي مقالتها الشهيرة بعنوان (اختلاف واضح حاضر) وضعت غلوريا شتاينيم ما عدّه الكثيرون فروقا جوهرية بين الأدب الإباحي والايروتيكي. إذ عادة ما يكون الأدب الإباحي نمطا خاصا من السرد او إنتاج الصور التي تشيّء وتسلّع جسد المرأة. إنه طريقة خاصة لأسلبة الجنس. كما يلعب الاحتفاء بجسد المرأة دورا في تميز الأدب الإباحي عن الكتابات والصور المرئية التي تعرض الجنس صراحة. ان حالة النص الإباحية لا تعتمد على النشاطات الجنسية التي يتم تناولها بقدر اعتمادها على طريقة تناول ووصف وقراءة هذه النشاطات ، إذ كلما ازدادت صراحة وبذاءة وبلادة اللغة الموظفة كلما مال النص الى الإباحية وابتعد عن الإيروتيكية. وكلما كان وصف الفعل الجنسي بلغة رومانسية ، تلطيفية وشعري كان اقرب الى الإيروتيكية . وقد لاحظت الكاتبة في مقالتها ان كلمة الأدب الإباحي pornography وكلمة البغاء prostitution تشتركان في الجذر الاشتقاقي نفسه وبالتالي فان هذا المفهوم يعزز ثيمة المرأة بوصفها شيئا مستغلا قابلا للتصرف خاضعا للعبودية فيما تعني الإيروتيكية اللذة المشتركة .
ينطلق الأدب الإباحي من منطلق ان الجنس إثم ، و قذارة و مرض ، وممارسة سرية ومعيبة ويهدف الى الإثارة ويشق طريقة مترنحا وسط الريبة القديمة التي تحيط بالنشاط الجنسي، لذا فان الإشباع الذي يمنحه عادة ما يكون مشبوبا بالشعور بالخطيئة وتحطيم القواعد. وفي حين تحتفي الإيروتيكية بالمتعة الحسية والمشاركة والمساواة فان الإباحية على النقيض منها تصور علاقة الهيمنة الذكورية والخضوع الأنثوي حين تكون الأنثى ضحية عاجزة والرجل مضطهدا معذبا مستمتعا بمشاهدة عريها وخضوعها. تصون الكتابة الإيروتيكية الحياة الداخلية والفردانية للرجال والنساء فيما يميل الأدب الإباحي الى طمسها. وتطوق الإيروتيكية الرغبة من بداياتها حتى إشباعها.إنها تتّبع انفصال الفرد المضطرب البطيء عن حياته الاجتماعية عبر انحلال الفوارق الدقيقة الاجتماعية والنفسية التي تشكل الفردانية. فيما تختزل الكتابات الإباحية الهوية في الآثار المترتبة على الرغبة ، إذ أنها تطبّع الجنس اجتماعيا بالطريقة التي تطبّع بها الأنظمة الاستبدادية المجتمع في طقوس رتيبة، تتكشف على طول خطوط قاسية. وظفت الناشطات النسويات الغربيات الكتابة الإيروتيكية في صراعهن من اجل نيل حقوقهن ونقد المجتمع. لقد كان الإطار المرجعي الثقافي سياسيا إذ أصبحت ثيمة الجنس المسيّس سائدة منذ ستينيات القرن الماضي، ومن ثم فان الأدب الايروتيكي النسائي لم ينحصر في كلمات او توصيف جنسي ضمن عمل إبداعي، بل انه الأدب المجترح مباشرة من أجل الجنس بوصفه المحور والأساس، والذي يسعى إلى تحقيق غايات مرتبطة بالحق في امتلاك المرأ لجسدها وحقها في الحصول على متعة حسية تشاركية.
لم تكن الكتابة الايروتيكية النسائية (وأؤكد على ان ما اعنيه هنا هو كتابات المرأة الايروتيكية وليس تصنيف الأدب الى أنثوي أو ذكوري) هي الظاهرة الوحيدة التي اعتمدناها في تقليد الغرب بعد نزعها من سياقها الحضاري والثقافي والاجتماعي والسياسي والفكري . إذ ان تفشي هذه الكتابات في الدول العربية تحديدا في العقد الأخير لم يرتبط بحركة أدبية او ثقافية او اجتماعية هادفة . كما لم تسجل النسوية العربية ـ إن جاز التعبير ـ انجازات هامة على الصعيد الفكري او الاجتماعي او الثقافي او الأسري، فما زالت النساء في المشرق العربي يرزحن تحت نير الذكورية المستبدة والأنظمة البطريركية، ويعانين من مشاكل أساسية تتعلق بالحقوق الإنسانية الأساسية كالحق في التعليم، والرعاية الصحية، وتكافؤ الفرص، وحرية الاختيار، والتعبير والمشاركة السياسية الفاعلة، وتفشي العنف ضد الإناث، كما أن المجتمع العربي ما زال يعيش ازدواجية على أكثر من صعيد وصراع ثنائيات لا يبدو انه قادر على حسمها في المنظور القريب. وعلى الرغم من ذلك فقد اتجهت الكاتبات الى الكتابة الايروتيكية وربما الإباحية أيضا بصورة اعتباطية ومتفشية في الآن نفسه حتى أصبحت ظاهرة تستدعي المتابعة والدراسة المعمقة لأسباب ظهورها وسرعة تفشيها في غير سياقها الحضاري والثقافي والاجتماعي والنفسي والسياسي.
وحسب المفاهيم الفنية للإبداع فإن الكتابة عن الجسد وللجسد وعبر الجسد وفوق الجسد كما يحلو لممارسي هذا الفن تسميته ليست مشكلة بحد ذاتها، ولا تندرج ضمن المحرمات الدينية أو المعيبات الأخلاقية إذا ما وظفت لخدمة هذا الإبداع أو الكشف عن مستور بهدف معالجته ومتابعته او في إطار سياق يلائم الواقع العربي ويلتصق به . فالايروتيكية فن راق اشتغل عليه الكثيرون منذ أقدم العصور ولم يتقنه إلا القليل من المبدعين أو المبدعات في الفن والأدب.
إن ما تطرحه هذه الورقة البحثية هو دراسة أسباب وتداعيات الظاهرة التي تفشت بصورة دراماتيكية في أوائل التسعينيات تقريبا، وتزامنت مع أحداث وتغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية راديكالية، لا سيما في المنطقة العربية. ولا أقول أنني سأدرس علاقة الظاهرة بالأحداث والمتغيرات بقدر ما سأحاول إلقاء الضوء على بعض جوانب هذه الظاهرة على النحو التالي:
1.انفجارها في مجتمعات ترى أن أي نزعة تحررية نسائية هي رديف للرذيلة. فعلى سبيل المثال أن رواية رجاء الصانع "بنات الرياض" ورواية صبا الحرز "الآخرون" ووردة عبد الملك "الأوبة" جاءت من العربية السعودية ـ ومن المفارقات ذات الدلالة ان هوية الكاتبتين الجنسية لا زالت موضع جدال !!ـ. و من الأردن جاءت رواية "خارج الجسد" لعفاف البطاينة و رواية "مرافئ الوهم" لليلى الأطرش و رواية القاصة حزامة حبايب "أصل الهوى . و في الكويت نجد "صمت الفراشات" للكاتبة ليلى العثمان وفي العراق عالية ممدوح في روايتها "الغلامة" و "المحبوبات فضلا عن الجزائر والمغرب وسوريا ولبنان ومصر والأسئلة الذي تنهض منها دراستنا في هذا المحور تحديدا هي: هل أن ما نشهده من كتابات نسائية هي كتابات ايروتيكية أو إباحية أم أنها تداعيات مبتذلة لكبت جنسي؟ وإذا قلنا أننا نعيش في مرحلة ما بعد الفرويدية وان الثورة الجنسية حدت من ظاهرة الكبت الجنسي فهل هي وسيلة للشهرة او رد فعل على التهميش والإقصاء الذي تعاني منه المرأة في هذه المجتمعات؟.
2.لم يقتصر انفجار الظاهرة على النصوص الروائية أو الشعرية أو القصصية القصيرة وغيرها، وإنما رافقه انفجار مماثل في السينما فمن أفلام إيناس الدغيدي المصرية ومواطنتيها ساندرا نشأت وكاملة أبو ذكري الى مي المصري اللبنانية وهيفاء المنصور السعودية وغيرهن ..... فضلا عن ظاهرة الفيديو كليب والفضائيات التي تروج للعروض الإباحية خارج أي سياق ثقافي او حضاري عدا الرغبة المحمومة في نشر هذا النوع من العروض على أوسع نطاق وإدخاله الى كل بيت، ومع علمنا بالتكاليف المادية الضخمة التي يحتاجها إنتاج مثل هذه الأعمال وتسويقها، فإننا نطرح سؤالا حقيقيا عن مصادر تمويلها وعلاقتها الحقيقة بحاجات المواطن العربي المقموع والمكبوت ليس جنسيا فحسب، وإنما سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ونفسيا وحضاريا .؟
3.في محاولتهم إيجاد شرعية للكتابات الايروتيكية، تشدد كاتبات هذه الظاهرة ومناصريها من الذكور على وجود الايروتيكية في التراث العربي الأدبي والتاريخي والديني منذ قرون بعيدة ويدللون على ما يذهبون إليه بوجود كتب قديمة وحديثة تنضح الإيروتيكية وأخبار الجنس وطرق ممارسته مثل : " ألف ليلة وليلة " و " الأغاني " للأصفهاني و " رشد اللبيب في معاشرة الحبيب " المنسوب لابن فليتة و " الروض العاطر في نزهة الخاطر " للنفزاوى و " تنوير الوقاع في أسرار الجماع " للنفزاوى و" رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه " لابن كمال باشا وغيرها وعلى الرغم من صحة ما يذهبون إليه إلا ان عزو انفجار الكتابات الايروتيكية النسائية في هذه المرحلة الى وجود تراث عربي ايروتيكي ذكوري لا يعتبر تفسيرا لهذه الظاهرة فمن ناحية نجد ان هذا التراث في اغلبه الأعم ذكوري التوجه يعزز الهيمنة الذكورية وشيئية المرأة فضلا عن انه لا يعد أدبا بالمعنى المتفق عليه قديما او حديثا، إذا ما استثنينا ألف ليلة وليلة وطوق الحمامة في الإلف والإيلاف، فهي لا تتجاوز كونها كتابات جنسية شعبية، ومن ناحية أخرى يدلل على عجز هؤلاء عن ربط الظاهرة بالواقع العربي الاجتماعي والثقافي المعاصر في الوقت الذي تعلو فيه الأصوات للتخفف من عبئ التراث وذكوريته وتخلفه ومراجعة تاريخهم ليكون تاريخهن !! .
4.تتسم اغلب الأعمال المطروحة ضمن هذه الظاهرة بالسطحية والضحالة الفكرية والثقافية فضلا عن الفقر الإبداعي والخيالي وضعف الأسلوب وركاكة اللغة مما يجعلنا نشكك في نسبتها الى الأدب والإبداع أصلا ونعتقد ان كاتباتها اتخذن من الايروتيكية او الإباحية الورقية موضوعا للشهرة ولولوج عالم الأدب من أسهل أبوابه.
5.تجاوزت الكتابات النسوية المعاصرة ضمن هذه الظاهرة كل الحدود في تناول الموضوع الجنسي، بما في ذلك او فوق كل ذلك التناول الصريح للعلاقة “المثلية” ليس فقط بوصفها ظاهرة منتشرة في مجتمعات مغلقة فحسب، وإنما الإسهاب في وصف الممارسة الجنسية المثلية بوصفها أمرا طبيعيا لا غبار عليه اجتماعيا او دينيا او صحيا. ولعل من المفيد الإشارة هنا الى الموجة الثالثة من النسوية الغربية التي راجت في بدايات التسعينيات، والتي هدفت الى توسيع مفاهيم النوع الاجتماعي والجنسي وهاجمت بشكل مكثف مؤسسة الأسرة باعتبارها مؤسسة قمع وقهر للمرأة، ونادت بالارتباط الحر والحرية الجنسية بل تجاوز الأمر إلى الدعوة إلى الشذوذ الجنسي بوصفه شكلاً ملائمًا محتملاً للخروج من سيطرة الرجل/ العدو وامتلأت الأدبيات المرتبطة بهذه الموجة بقصص وروايات كانت بطلاتها او كاتباتها (اودر لورد وبيري روزي) او كليهما، مثليات. الأمر الذي قد يسهم في تعزيز فكرة ان الأمر برمته تقليد أعمى دون أي تداعيات فكرية او ثقافية.
6.همش النقد العربي إبداعات المرأة وقلل من قيمتها وفي أحسن الأحول تعامل معها بدونية حين قارنها بإبداعات الرجل بوصفه مقياسا لكل إبداع وقد كتبت نساء عربيات إبداعات تناولن فيها الجسد ضمن اشتغالات فنية وسردية إبداعية، وكان البوح والجسد فيها موظفا لخدمة الإبداع إلا أنهن لم يحظين بما حظيت به كاتبات اليوم اللواتي حولهن الإعلام الذكوري الى نجمات بين عشية وضحاها يقدن الثقافة العربية يحظين بالجوائز والتكريم ـ و ربما يطمحن الى نيل جائزة نوبل المعروفة باتجاهاتها ـ وأصبحن وجوها مألوفة على الشاشات والمواقع الاليكترونية والصحف الورقية يثرثرن في كل المواضيع ويتجاوزن حدود المعقول والمقبول والمتفق عليه فطريا وإنسانيا حتى ان المنافسة بينهن في هذا المجال لم تعد الإبداع وإنما الجرأة والتطاول على كل محرم ومقدس وفطري وإنساني .
7.عندما تطاولت بعض الكاتبات على كل مقدس لم يكن بالضرورة ضد حقوقهن ومطالبهن العادلة، بل وفرن بذلك فرصة ثمينة لأعدائهن الذكورـ ان جاز التعبيرـ للانقضاض على النساء ووصفهن بأقذع الأوصاف وبأنهن أساس كل بلاء وفجور ونددوا بانفصالهن عن قضايا الأمة ودعوتهن الى التحلل من كل التزام في وقت تكالب فيه أعداء الأمة عليها . وبودي أن أوضح أنني لست مع تأجيل معركة النضال الاجتماعي لأنها ليست أولوية بالنسبة للاحتلال مثلا ـ الأمر الذي دفعت النساء الفلسطينيات على سبيل المثال ثمنه طويلا ـ ولكن الأمر لا يتعلق بنضال اجتماعي او دعوة للعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بقدر ما يتعلق بموضوع الحرية المطلقة وتحديدا حرية منح الجسد والمتع الحسية للمرأة بلا قيد او شرط الأمر الذي يهدد المجتمع بأسره وينذر بمواجهة لا تحمد عقباها ربما تخسر النساء فيها كل ما أنجزنه على مدى عقود. هذا إذا كنا قد أنجزنا شيئا يذكر في ظل إحصائيات التنمية المرعبة في القضايا التي تخص الإناث تحديدا كالفقر والصحة والتعليم والوظائف والحق في التنمية وغيرها . لقد ساهمن بهذه الطريقة في المزيد من النظرة الدونية للمرأة التي لا ترى فيها إلا جسدا ووعاء لشهوات الرجل حين عرضن أجسادهن وأجساد بطلات قصصهن بوصفهن طالبات متع حسية بعيدا عن الروح والعقل وخارج أي سياق اجتماعي وثقافي وسياسي.
وقد أوضحت سابقا توظيف النسوية للايروتيكية وأود أن اختم هذه الورقة البحثية هنا بالإشارة إلى جوانب أخرى وظفتها النسويات المبدعات في العالم في إطار بحثهن الدءوب عن طرق ووسائل لتغير أوضاعهن وامتلاك أصواتهن وحقهن في تقرير مصيرهن في القضايا الحيوية والإنسانية .
لقد منحت مظلة ما بعد الحداثة الكاتبات الحرية في توظيف تشظيات ما بعد الحداثة ببراعة وذكاء مذهل، ورغبة صاعقة في تحدي النظم الإيديولوجية لما يعرف بالأمر الواقع . فمثلا في رواية "امرأة على حافة الزمن" ، تأخذ كاتبتها "مارج بيرسي" رواية الخيال العلمي التقليدية، وتبرز الأنثى البطلة والرجل النمطي . الشخصيات الذكورية حمقاء، خطيرة وشريرة. إنهم يؤيدون البارادايم المؤسساتي الخانق متسببين في الموت الروحي للبطلة، كونسويلو - الملقبة كوني. تركز بيرسي على نظم إسكات المرأة وتعطي لبطلتها صوتا للتمرد على تلك النظم .كما هناك مظهر آخر للنسوية يركز على ذكاء المرأة (البطلة) .
لقد انتقص قدر المرأة عبر التاريخ بوصفها خادمة للرجل، أو مما ملكت يده، أو حصان الأشغال الشاقة كما في رواية مارك توين أو مستغلة جنسيا بوصفها عاهرة كما في رواية نورمان ميللر الأجساد العارية والموتى.
صورت مارغريت أوتوود هذا العالم القارص في رواية "حكاية وصيفة" و أنتجت بطلة نسوية، عرفت فقط باسم اوفرد، وهي ذكية وجريئة، قاسية، وبارعة . وظفت منصبها الصغير للتنقل بين عوالم الصمت والاغتصاب والجريمة والقوانين والسلوك من اجل فك رموز النظام ثم ....الهرب في نهاية المطاف .
وكما يشدد كتّاب ما وراء القص على تهديم قداسة القواعد المقبولة للشكل واللغة، فان النسوية الأدبية تعيد هيكلة نظم عفا عليها الزمن وتناضل من أجل المساواة، والتنقيب عن نظم لغوية أيضا تتشظى بعيدا عن الافتراضات المعرفية .
وضعت "انجلينا كارتر" نسخة جديدة عن الحكايات الخرافية حين قذفت بشخصياتها إلى القرن العشرين لكنها أبقت على ملامح كافية من الشخصية التاريخية لتبرز الدوافع الأصلية لهذه الشخصيات .أثارت مجموعتها الأولى عن " الخرافات مشروخة" والتي تحمل عنوان " المخدع الدموي" (1979) الاهتمام عندما سلطت الضوء على الطبيعة الايروتيكية لتلك الحكايات القديمة .
تدعم هذه الكتابات نسويتها، كما تدعم محاكمتها لمجتمع يميز الجميل ويعاقب القبيح . إنها أيضا تعرض رغبتها في استبدال البطلات المائعات البلهاوات بأخريات قويات وذكيات .
ترسم كارتر شخصيات بطلاتها القويات لينبذن " الصورة النمطية الثقافية للأنثى، خصوصا تلك البريئة، المسالمة، الفارغة العقل والمثيرة، لصالح شخصيات نسوية تتميز بالحسم والجسارة الجنسية . وتتعامل مع الخرافات بوصفها ذكورية النظرة، إذ أنها ابتدعت في زمن الهيمنة الذكورية والسلطة البطريركية والنظرة الأبوية حين كانت المرأة تجهز لانتظار الأمير المخلّص. نادرا ما منحت الأنثى سيطرة على ممتلكاتها أو صوتا أو سلطة لاتخاذ قرار أو خيار. من هنا جاءت أهمية كتابات كارتر، إنها تعامل بطلاتها كأشياء حتى تحين الفرصة، عندها تمنحهن قوة لبلوغ الكمال ولاتخاذ القرار ولتحطيم الخرافات الخرقاء ذات النظرة الشوفينية عن المرأة المثالية : جميلة، عذراء، سعيدة، ضعيفة، ساحرة، هادئة أو حتى نائمة (4).
فضلا عن الاستنتاجات السابقة بودي الإشارة إلى أن كل نضال يحتاج الى إبداع حقيقي فضلا عن الإرادة وشحذ الهمم، وتحديد الهدف، ودراسة الواقع والظروف والتخطيط الدقيق والتكامل، وتوظيف الطاقات، والتكنولوجيا، وعدم الاستسهال والانسياق وراء مغريات الشهرة، ومتطلبات الذكورة. هذا إذا كان للكاتبات قضية حقيقية ينافحن لأجلها و يسعين لتحقيق أهدافهن وأهداف النساء اللواتي ينشدن مجرد الحماية في كثير من المناطق في عالمنا العربي الذي تُنحر فيه الإنسانية من الوريد الى الوريد .


الجمعة، 25 سبتمبر، 2015

"السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية".جوزيف حرب أو لاهوت القصيدة

 

>محمد علي شمس الدين ١٤٢١/٧/٢

"السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية"، الصادرة حديثاً عن "دار رياض الريس للكتب والنشر"، للشاعر اللبناني جوزف حرب، ليست مجموعة شعرية بمقدار ما هي قصيدة حب طويلة، تدور في مناخ ميثولوجي، ولا تغادرها طقوسها المسيحية خاصة، في جميع فصولها، مهما تنوعت هذه الفصول، وظهر بعضها بمثابة نشيد في الإنشاد، أو انفرد كناي في أوركسترا



وهذا النَفَس الطويل في كتابة قصيد الحبّ، أو الحرب، ليس له أن يسبح إلا في بحر ميثولوجي، حيث تعمل الحكاية ذات الأصل الديني، أو حتى الوثني، عملها في توسيع المسرح الشعري، وتفريعه، وتعصمه من المكوث في مقام الوصف، حتى لو ورد هذا الوصف أو تكرر أحياناً في ثنايا القصيدة، كما تعصمه من التلاشي والذوبان في الإنشاد، والغنائية، التي تميل بالشعر الى التراخي كلما طال نَفَسُها أو ألحّ، علماً أن الإنشاد الغنائي في الديوان، سمة من سماته، لكنه إنشاد مكسور بالحوار والتأمل والالتفاف على المعاني، والوصف والتشبيه والاستعارة، كما هو مكسور بضديات متتالية، في مديح الجمال وهجائه، في تقديس المرأة وتدنيسها، في ما هو جَسَدي ترابي ظلامي شهواني، وما هو أيضاً هوائي مشتق من النور، ومتولّد من عذرية مريمية. وهذا الالتفاف للشيء على ضده، للمعنى على نقيضه، وللكائن على نفسه، يأتي في الديوان، نتيجة تأمّل ذاتي وتاريخي معاً، لكنه تأمّل طالع من لاوعي ديني، لم يستطع الوعيُ أن يقصيه عن التدخل ورسم لغة وطقوس القصائد، ورؤاها، وقيعانها، وظلالها...

فلا إيراد "لينين" ولا الإشارة المفاجئة إليه، ونسبة حبرٍ ما أحمر ومادي له بقوله "متحدراً من حبر لينين إليها"، ولا الإشارة الى كومونة باريس بقوله "... أمام جنود باريس المحاصرة البيارق"، وهما إشارتان عابرتان في الديوان، ولا ذاك الحشد الأسطوري، الوثني بخاصة، الرامي بظلاله على الكثير من لغة القصائد ومعانيها، بقادرة على طمس القاع الديني، والأصل المسيحي للقصيدة، حيث نحن أمام ثنائية الخطيئة والغفران، المقدّس والمدنّس، المسيح والفريسيين، مريم العذراء الطاهرة والنساء البغايا... ولعل الفصل المسمى "ذبيحة البياض"، وهو حوار، أو أصوات مجموعة على مسرح، بين الكورس والنساء والراهب، هو الفصل الجنيني لهذا العمل الشعري، حيث ثمة مذبح في معبد قديم، ولباس طقسي طويل للصلاة، وكورس وإنشاد ديني وراهب يحمل شمعة في يده اليسرى ومبخرة في يده اليمنى، ونساء يرتلن. والفصل مجموعة من الأناشيد لا تخرج عن التراتيل الكنسية، وهي جميعها على اسم "مريم الياقوت".

"النساء: المجد للأبيض في الأرض، ملاكاً تزهر الأرض، وأبراراً يصير الشجر، البحر رسولاً، والينابيع صحابَهْ".

"الكورس: ربّي، لولاك هذا الكون قبراً كان، والعليق والصبار كانا نائحي موتاه، والليل غُرابه".

"الراهب: مُبارك خبزك، صاف دمك القدسي، إني أُبعدُ النيران عني بهما، فلأستحق الدم والخبز، وأصبح طاهراً مثل الندى، حراً كعصفور، جميلاً كنهار لم يلامس وجهه عتم الخطيئة".

"الكورس: الخطيئة...".

والإمساك بالعصب اللاهوتي لعمل جوزف حرب الشعري، ليس أكثر من إشارة الى بيت القصيد، أو الجوهر الشعري لعمله. هو ما أسميه "المعنى" الذي من جعبته تنتشر سهام الشعر متنوعة في كل اتجاه. وهي ليست سهاماً ذات اتجاه أو وضوح تبشيري يدمغها، ويصادر منها الرموز والاحتمالات، وتداخل الرؤى والألوان... فولادة القصيدة لديه تبدأ حكائية ومضمخة بالعناصر والجنس، وترشح منها الخصوبة، فالرجل الذي كان في البدء، ولمَ لا يكون آدم؟ كان "عريساً من النخل"، والمرأة كانت "امرأة من العناقيد"، وهي المرأة الأصل، الأم، الزوجة... "أمي/ وفيها رقدت/ ولما أتاها مخاض النبيذ وُلِدت"، فكأنه يمثل ميلاد إله السكارى في الأسطورة الاغريقية... ويتابع رسم هذا الطقس الأسطوري الذي هو خليط من قصة الخلق الدينية والأساطير الوثنية معاً، حيث تحلّ العناصر وقواها في رموز تسمى آلهة، فيناجي من يسميها "ربة أيار"، هذه المناجاة التي ترشح منها المفردات الايروتيكية بطقوس حلولية، فيقول: "ألا باركي عضوه ببخور وزيت، ليعلو كغصن من اللوز شُرِّب حمرة عيد الغروب، فتغدو الأصابع فينا نسيماً وتغدو الفروج فضاء"... "ألا وليقم ملكاً قوسه النهد"... لكأنها ولادة الذكر الأول، السيد، البعل، هي التي تتقدم، وحوله المرأة - النساء / الشهيات الشبقات الخطايا، بجميع تفاصيل هذه الخطايا. وهنا يتمّ ارتداد شعري نحو قبح الجميل، في ثنائية البراءة - الخطيئة. "لأن بياض ملامحهن نحاس" كما يقول.

وهنا أيضاً بذرة عنوان الديوان "السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية"، حيث البياض رمز النقاء، والكحلي رمز الشهوة... والبياض مقدّس والشهوة مدنّسة... وهذه هي الثنائية الدينية بأصلها، في شعر جوزف حرب. يقول: "... وإني ملاك وهُنّ ذنوبي". فأيُّها الأصل: الخطيئة أم الطهارة؟...

لا يكون الشاعر حاسماً في هذه المسألة، على امتداد فصول الديوان، وحتى في انحيازه للطهارة من خلال تمجيدها ايجاباً إلا أنه يولي نقيضها مساحات واسعة في الأسطورة والتشبيه. فهو يمتدح الفحولة، ويقيم رابطاً ما بين الذكورة والعناصر "أنا فاتح الشجر المارد الفحل في قبضتي الريح، فخذاي شهران من حجر، أضلعي أسطر نقشت فوقها خطبة العاصفة، وبي تستحم النساء"... ذلك سيكون، أحياناً في موازاة هجاء الأنوثة أو تهجينها... وفي طقس ميثولوجي وكأن الذكر حلّت فيه سمات مجمع الآلهة: "رام" قلّد ظهره استقامة الرمح، و"نارام" قلّد قلبه الخيانة، و"مردوك" قلّد صلبه البغاء المقدس في بابل، و"ليل" قلّد ريشته الشعر، و"نبتون" قلّده مركبة لفتوح النساء، مجاديفها من سيوف... فأية قسوة وجبروت للذكر، هنا، في موازاة النساء، الخيانات، اللينات، الهينات؟ يستتبع ذلك شبقاً نحو "تبديد النساء". وإشارة الى أن الأصل "ملائكي"، أما الفروع فخطايا. يقول "جذوري ملائكة، وثماري خطايا"... أما اتجاه سير القصيد، فيظهر وكأنه سعي لتصفية النص البشري من أدرانه المتراكمة عليه... من خلال فكرة ثنائية الخطيئة والمغفرة... وبأية طريقة يا ترى؟ أداة؟

- سيتمّ ذلك بما نسميه "لاهوت مريم". يقول الشاعر في آخر الديوان: "... وبرغم ذلك إن جزءاً منك فينا/ فخذي النصوص ونقحينا"، ويستنجد في نشيد الختام، بخلاص العناصر، من خلال رمز الخلاص: "يا شمس بكاء الجسد الخاطي، وسواد النفس / إنّا أصبحنا أشجارك، فلتبعد عنّا يدُك الخضراء الفأس/ وهبينا يا شمس وجوهاً من دوّار الشمس".

وهي خلاصة مركّبة على كل حال. بل خلاصة لا يمكن الوصول اليها، إلا من خلال الخوض في مستنقعات وأهوال وأحوال كثيرة، بل لا يمكن الدخول فيها من دون الأكدار والأدران... حتى كأنها حليب الحكمة، لا يصنع للإنسان إلا من خواص الدم والرفث...

فالذكر، الفحل، كما سبقت الإشارة، المشغوف، غريزياً، بتبديد النساء "أنا الفهدُ هُنَّ الغزالة"، كما يقول الشاعر، لا يلبث أن يقع في وحدة قاسية. إنه "آدم بين هلالي الحمام"، كما هو عنوان إحدى القصائد. وللخروج من وحدته القاسية، ينقسم اثنين، فتخرج منه المرأة تلميحاً للفكرة الدينية القائلة إن المرأة مخلوقة من ضلع الرجل... وهنا أيضاً، تظهر المرأة، كما الرجل، كتلة من عناصر، حتى لكأنها باقة من زرع، أو فواكه مجتمعة:

"... كانت تقطف الخطو على الأعشاب نحوي، قدماها نقلة مسح جناح نقلة حفّ نسيم طالع بينهما بين مناديل ضباب قامة بل سنة ذات نهارات صبا مُرضى عليها ليلها، في خصرها الناحل أيلول وتمويج غمام من أصيل ذائب في لازورد البحر ردفاها ونهر ظهرها فيه الحصى أيام نيسان ذراعاها، كأني جملة من سُكّر بين هلالين من الماء، غناء عشقها التفّ على ناي، وصيفان بلون الصبح نهداها، وقوسا بطنها صينية ملأى خُزامى، فوق فخذين ربيعيين قد فتّح ما بينهما تسع تويجات، لفانوس إذا أشعلته شاهدت ديراً من نبيذ،،،،".

فهذه المرأة، البستان، المتولّدة من شوق الرجل لذاته، وكسر سأمه، تظهر تارة ملاكاً، محباً، غزلاً بالرجل... تقول له "سكّر روحي يذوب بمرّك"، وتقول "اشتعلت فأحببت فيَّ رمادي لأنك ناري"، ولكنها، وبنقلة مفاجئة، وبلا تمهيد، وفي قصيدة "قامة من ماء"، تغدو مفترسة تمارس شهوتها "كافتراس الذئاب لغزلانها"، والرجل يقول "لم أكُن عاشقاً، عندها، كنت شيئاً من السلحفاة أو الظل".

والمرأة المسوّاة، في جميع فصول الديوان، من العناصر، تغدو ما يشبه معادلة موضوعية تالية:

الأصابع = نسيم

الشعر = ناي

الخصر = صيف

الكتفان = موالان من زبد

النهد = صناديق القرى

العنق = أيلول ممحو

الفخذ = دواة مزمار

الكحل = ريشة عصفور

والانتقال من هذا التشبيه الحسي للاستعارة، لا يغادر المحسوس، كثيراً، يقول "... وأجلست البنفسج قرب كرسيّ النبيذ" من قصيدة "نصّ قديم".

لكنّ حركة هذه العناصر، في حالي الهجوم والتلقي، حركة عنيفة. ثمة ما يشبه تمجيداً لعنف الأخذ، ومديحاً للذكورة العاصفة: "أيها العاصف المستبد المتوّج بالبرق مثل ملوك الحصاد، أحبّك..." "فاعصعف عميقاً وخلّ بروقي تلمع/ ومائي يهطل/ وإن عدتُ للبحر فانقضّ صقراً عليّ/ وإن غصت في الأرض زلزل عليّ ترابي/ وإن صرت عشباً ظلالاً خزامى اقتلعني".

والمعنى الجارح أيضاً، يتجه بدوره من الرجل للمرأة. يقول "دقَّ بابي خنجر منك/ له شكل امرأة". فالمرأة النسمة باقة الرحمة، أيضاً، خنجر وذئب. والرجل العاصف الفحل فاتح حقول المرأة، أيضاً، قاتل، أو ممسحة، سلحفاة أو ظل... وهو، تارة، يتباهى بجبروته، وطوراً يجلد نفسه جلداً قاسياً، يقول "أنا لا أستحق الطرد حتى لعذابات الجحيم"، ويصوّر نفسه كرجل يائس ويابس، ومحاصر داخل سجون كثيرة "أقسى سجوني جسدي/ حيث الذي يحرسني قبري" كما في قصيدة "الحصار".

وهكذا، في هذه الترتيبات الملتبسة، للمرأة، ما هي؟ وللرجل، ما هو؟ وللذة ما هي؟ وللفضيلة والرذيلة، والجمال، والقبح، وللنعيم والجحيم، والقداسة والخطيئة... وكل ثنائيات الوجود، التي عليها تأسس الفكر الميثولوجي الثنوي، وهي في أساس الجوهر الديني للديوان، يلوح الخلاص شعرياً، ويمكن تلخيصه بجملة وردت في قصيدة "المجدليّ"، نقلاً عما يسميه ابتكاراً "إنجيل يوحنا المغني" "... يا دين العبادات التي بشّرَ فيها جسدي/ كوني غمام البدو لي وانهمري".

ومن "مريم المريمات"، الى ما يشبه تصويراً لفصل في الجحيم، من خلال قصيدة "العقاب"، يتمّ انتقال من الناصري "الذي أفكّر فيه لأصلب لا لأصلي"، الى ما يشبه طقوس كهنة الديانات القديمة: طقوس كاهن "الشامان" الموكّل على الصراط، وكاهن "الآتاي"، وكاهن "المالي" كاهن النار، وقاضي الأكاديين، وقاضي مياه وادي النيل، وكأننا أمام طقوس دينونة أو محاكمة في الآخرة، للرجل الخاطئ، مرتكب الخطايا السبع... فثمة دينونة، بالتأكيد، لكن، ثمة أيضاً غفران من "كفّيها" لجسده.

هذا هو الجوهر الشعري، أو المعنى الشعري، لديوان "السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية". وهو مؤسس على طقوس دينية مسيحية بخاصة وميثولوجية عامة، إنما هي طقوس إحيائية، وحلولية أيضاً، وتُماهي بين الجسد البشري وعناصر العالم، كما تشقُّ وحدة الوجود الى ثنائيات وضديات، ليست دائماً متوازية أو متقابلة، بل هي أحياناً متداخلة لدرجة الالتباس... والديوان الطويل النفس، والمتعدد الفصول، يستند الى أسلوب حكائي سردي أحياناً، تتناسل فيه الجمل من ذاتها، وتنفتح على أفق فضفاض ينتقل به الشاعر من أسطورة لحكاية ومن طقس ديني لآخر وثني، ومن التاريخ والأمكنة للأوصاف غير المستندة الى تواريخها... ومن خلال إيقاعات شعرية وجمل منضبطة عروضياً على العموم، إلا أنها متنوعة، وكثيرة الاستطراد والتفريع، حتى لكأنّ الشاعر يولد المعنى أو الجملة، أو يولد الجملة من المعنى أو المعنى من الجملة، ابتداء، ثم يوغل في التتبع والملاحقة والتفريع، بما يشبه الوعي والتدبير الشعري... فجوزف حرب، كثيراً ما يتأمّل في شعره، أو يفكّر من خلال قصائده، ولديه ما نسمّيه "حساسية التأمّل" التي يضع الشاعر في خدمتها "حساسية الخيال"، وتأتي بعدها حساسية اللغة، حيث الكلمات ينهض بعضها بعضاً، أو ينعش بعضها بعضاً. وإذا خفّ معيار هذه الحساسيات واستتر أو اختفى وراء دفقة الإبداع، فإننا نحصل على قصائد جميلة بل أخّاذة، كما هو آخر قسم في الديوان، تحت عنوان "مقام السيدة البيضاء" فتتدفق الشعرية في تلقائية عذبة، وتتفرّع المعاني كما تتوزع حزمة من الشعاع، على أغصان شجرة... فيتوارى الترتيب المدبّر للمعاني واشتقاقاتها والكلمات وتناسلاتها، خلف الدفق الشعري الخلاّق. إلاّ أنّ ذلك يخون الشاعر أحياناً، خصوصاً حين تغدو الجملة الشعرية لديه تفسيرية، ويغلب التحليل الذهني، وترتيب المقدمات والنتائج، كأننا أمام جملة منطقية، يضعفها المنطق، منطقها، ولا ينقذها غموض الحال، ودفق الحدس الأوّل، كقوله في قصيدة "العقاب":

"... لن أحبّ الخَلْقَ بي، إن هو باق وأنا فانٍ، وأقسى قَدَري أنّي إذا لم أرتد الصورة، لا شيء سيمضي بي إلا آتٍ، به وحدي أفنى وهي تبقى، ليست الصورة إلا أنا لكن في غيابي. ليست الصورة إلا أنا ميتٌ وهي حيّة"...

 

 

مراجعات الكتب