حول القهوة المختصة وأداة السايفن الكلاسيكيّة





لطالما أحببت تجميع الأشياء الكلاسيكية على سطح مكتبي, فونوغراف، كان هدية تخرجي، ساعة رملية، أداة السايفن لتحضير القهوة، وقلادة معدنية قديمة جداً اقتنيتها من بائع آسيوي في مهرجان للتسوق.




في البداية كنت أعبث بأنواع القهوة لأحاول التوصل لنكهة أشعر كما لو أني أعرف مذاقها مسبقاً، وكل ما أفعله هو البحث عنها، اقتنيت القهوة الفرنسية ثم التركية وأنواع من الموكا والكابتشينو ثم بعض الاضافات الخفيفة مثل الكراميل والفانيلا وقهوة البندق، وذات صيف اقتنيت القهوة الكولومبية ثم مروراً بالاسبريسو المتوسطة التحميص من مقهى شهير للغاية.
بدأت في تجربة نكهات مخصصة للقهوة المثلجة الـ ice coffee وكانت النتيجة رائعة جداً وبسيطة، حتى أنني حين أتذكرها في فصول السنة التالية، أتذكر بأنها كانت نكهة فصل الصيف، فكل الأيام وكل الاشخاص الذين قابلتهم فيها والصباحات التي تناولتها فيها والأغاني والأفلام وحتى الكتب، أصبحت مرتبطة بهذه النكهة التي بدورها أصبحت مرتبطة في ذاكرتي بفصل الصيف وطبق من الوافل البلجيكي بالعسل.
أما النكهة الثانية كانت من نصيب تجارب فصل الخريف، قهوة اسبريسو داكنة قليلاً وحبوبها متوسطة التحميص، كنت أعدها في نهاية اليوم كتعويض عن كل المتاعب، حتى وإن كانت تسبب لي بعض الاضطرابات في النوم، الا أن تناولها في نهاية اليوم وبتفرغ ذهني تام عدا الاستماع لموسيقى غيرشوين التي يميزها مزجه للموسيقى الكلاسيكيّة بموسيقى الجاز، كلها كانت بالنسبة لي من اللحظات التي لا يمكنني التخلي عنها.
أما النكهة الأخرى والتي كانت تنتمي لمجموعة من الأنواع منها: القهوة الفرنسية وقهوة البندق وقليلاً من الكراميل، لم أحبذها كثيراً، فبعد مرور فترة طويلة أصبحت تذكرني بليالي الشتاء التي لها ذكرى مؤلمة وبطيئة لدي، لذا شعرت بنفور من تناولها رغم أن مذاقها كان جيداً، فأنا أؤمن كثيراً بأنَّ "في الذكريات تأخذ الأشياء مكانها الحقيقي"، وبعد ذلك توقفت طويلاً عن إعداد القهوة وتجاربها.

ثم جاء فصل الربيع وعدت لتجارب القهوة بعد السبات الشتوي الطويل، حبوب متوسطة التحميص، ناعمة الطحن، أستخدم نصفها بعد الغليان في تخزينه بآلة صغيرة الحجم تدعى (مطحنة الثلج) أو كسارة الثلج، حتى اذا تجمدت أستطيع استخدامها كمشروب قهوة مثلج بعد طحن الثلج وإبقاءه قليلاً حتى يكتسب بعض النكهة عند الذوبان، فأضيف له قليلاً من الكريمة المحلّاه والكراميل.
أمّا بالنسبة لنكهات المقهى التي اعتدت طلبها كانت عادةً ما بين الموكا والفرابتشينو والماكياتو والاسبريسو، لكني لم أكن أحب تناول القهوة كثيراً في المقاهي، فغالباً تكون زيارتي للمقهى بغرض رؤية بعض الأصدقاء فقط.


وفي هذا الصيف، تحديداً نهاية شهر رمضان، عثرت على عدة نكهات مميزة وغريبة لمقهى للقهوة المختصة، وزاد من رغبتي في طلبها، توفير المقهى لأداة كلاسيكية لتحضير القهوة تسمى (سحَّارة القهوة) أو أداة السايفُن، يقال بأن العرب قد استخدموها في صنع القهوة قبل 200 عام تقريباً، وقد بدأت بالانتشار في الولايات المتحدة الأمريكية في حوالي بداية القرن العشرين، كما أنّ شكل الأداة يبدو جذاباً وطريقة عملها بسيطة ولا تحتاج إلى كهرباء أو نوع محدد من التموين، وتعمل على موقد الكحول مع الفتيل أو موقد البيوتين كبديل آخر، لذا فقد قمت برفع الطلب بالإضافة إلى نوعين من القهوة المختصة أحدها كان النكهة المميزة للمقهى والآخر لم أجد عنه أي مراجعات أو طلبات، حتى أنني شعرت بالتعجب حين وصلتني رسالة من المتجر تفيد بأنه متوفر.
الأولى: قهوة باريستا بيتر
                                                          



الإسبريسو بلند
مكوناتها :
سكر بني، شوكولاتة، كراميل فدج.
57% اثيوبيا قوجي أوروميا.
43% رواندا هوي نيامشيكي
وكانت نصائح المقهى بأن يتم تحضيرها في درجة حرارة 92 درجة مئوية ومدة الاستخلاص ما بين 26-30 ثانية.
قوامها غني وسلس ومناسبة للاستخدام مع الحليب وبكميات قليلة مثل: كورتادو، مكياتو، كابتشينو.

وبما أنني أتّسم بشخصية منعزلة ولا تفضّل كثيراً حضور المناسبات الاجتماعية، فقد وجدت الأيام الأربعة الأولى من عيد الفطر مناسبة جداً لتجارب القهوة، حيث المنزل فارغ، والمساء هادئ وطويل نظراً للأشياء التي قمت بها دون أن يقاطعني أحد.
قمت بتجربة الإسبريسو بسحَّارة القهوة أو أداة السايفن، في البداية واجهت صعوبة في الموقد، فقد بحثت عن مادة الاسبرتو الأبيض التي تستخدم كمعقم طبي في الصيدليات لكني لم أعثر عليها كبديل للكحول، أما موقد البيوتين فقد علق في ازدحام الشحنات لأني قمت بطلبه في آخر شهر رمضان، فاستخدمت شمعة عطرية صغيرة الحجم، لم أتوقع منها أن تُنضج لي قهوتي بهذه السرعة وهذه الحرارة، فقد استغرق غليان الماء 5 دقائق ومدة نضج القهوة على بخار الماء المتصاعد للإناء العلوي تقريباً 7 دقائق، كانت سبعة دقائق فاخرة، فقد كان الجزء العلوي من السحّارة يخرج منه البخار المتشبِّع برائحة القهوة المنبعث عن عملية التبخر في الإناء السفلي مروراً بالقهوة المطحونة الموجود فوق الفلتر القماشي، مما جعل المكان من حولي يعبق برائحة القهوة التي توقظ كل الحواس أثناء عملية تحضيرها والتمتع برائحتها وهي تغلي، فساعدني ذلك على القراءة بهدوء وتركيز واستمتاع.


عند تحضير قهوة الإسبريسو استخدمت مياه معدنية ذات محتوى منخفض من الصوديوم و15 جرام من القهوة وقليلاً من السكر.
وفي يومٍ لاحق كنت قد عزمت على تجربتها في مشروب مُثلَّج، ولأن نكهة القهوة في أداة السايفن تبدو مميزة أكثر، فقد حضّرت القهوة أولاً فيها ثم وضعتها في جهاز التبريد مع إناء الحليب السائل ومكعبات الثلج، وبعد أن أنهيت الكتاب الذي في يدي، أحضرت كأساً زجاجية ووضعت الثلج ثم الحليب ثم القهوة والقليل من السكر، وكان مذاقها مثالياً جداً ،غني بالنكهة، وبمذاق سلس ومتوازن.  


أما القهوة الثانية: بوشوكي روليندو رواندا


بوزن 250 غرام ذات إيحاءات بنكهة الرمان والتوت الأسود والعنب.
يمكن تحضيرها بإناء الكيمكس أو أداة أمريكان برس وسحارة القهوة أو الفرينش برس.
منذ اللحظة الأولى عند تذوقها، شعرت بأنه لا مجال للتجارب هنا، أو محاولة تحضيرها في مشروب مُثلّج أو بعض الاضافات الأخرى، إذ تشعر يقيناً بأنها نكهة غير قابلة للعبث، فقط يتم اضافة الماء والقليل جداً من السكر فأي زيادة بسيطة قد تفسد النكهة، حامضة قليلاً، ونكهة القهوة من متوسطة إلى قوية، لاسيما بعد أن تنهي الكوب الأول منها.
مذاقها لطيف ويناسب الأوقات المستقطعة من اليوم، لمشاهدة فيلم، أو قراءة كتاب، أو سهرة حديث خفيفة.

المشاركات الشائعة