هل التكنولوجيا الحديثة تساهم في خلق المخاطر المالية؟ : ترجمتي لمقال النوبلي روبرت شيلر






مقال : روبرت شيلر


قليل من الناس الذين عاشوا خلال فترة بناء وانقسام "Nifty Fifty" التي تشظت نتيجة فقاعة التكنولوجيا في بداية السبعينات، ربما سيعلنون رفضهم للقول بأنَّ مصير الاقتصاد، سواء للأفضل أو للأسوء، مرتبط بالتكنولوجيا، إلا أن التكنولوجيا لها تأثيرات اقتصادية أكثر جوهرية من هذه الأمثلة التي سأقترحها.

وبقدر ما تكون التكنولوجيا مرتبطة في كل مكان بالنشاط الاقتصادي، فإن أي اعتبار للمستقبل ينبغي أن يأخذ في حسابه المخاطر المرتبطة بتطور التكنولوجيا، سواء الآثار الجيدة أو السيئة.

ولتأمين وتقدم إمكانيات الاقتصاد، ينبغي أن يتم العمل على تعزيز الإيجابية، والقوة الانتاجية للتطور التكنولوجي، بينما في نفس الوقت يجب العمل على الحد من الجانب السلبي أو ما يسمى بـ "آثار الانتقام من التكنولوجيا".
وكل ما يهم هو أن نفهم بشكل دقيق كيف يمكن للتكنولوجيا أن تخلق المخاطر، وتكون سبباً في الآثار الاقتصادية الناجمة عن هذه المخاطر، ومن ثم معرفة الطرق التي يمكن من خلالها للابتكارات المالية أن تسيطر على هذه المخاطر أو تخفف منها.
إنه لمن الشائع القول بأنه ليس ثمة هناك من مخاطر اقتصادية للتكنولوجيا الحديثة، لكنَّ هذه المخاطر حقيقية وموجودة بالفعل.

الأشخاص القلقين من المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة غالباً ما يوصفون بـ "محطمو الآلات" ، ويُطلق عليهم " اللوديين "، وهم مجموعة من العمال تشكلت في القرن التاسع عشر أُطلق عليهم هذا اللقب نسبة لقائدهم الملك لود، خرجوا لتحطيم الآلات اعتراضاً على كونها حلَّت محل وظائفهم.
وبين عامي ١٨١١م و ١٨١٦م شنوا حملات لتكسير الآلات في إنجلترا لمحاولة إيقاف التقدم التكنولوجي.
الا أنه لمن الصائب وصف حملة اللوديين بشكل أساسي بأنها لم تكن منضبطة أو موَّجهه، فكسر الآلات كان حدث بلا جدوى ومع ذلك، اللوديين كانوا بلا شك يعانون من أزمة اقتصادية لم تكن مضللة في تقديرهم، وهكذا لعبتْ الآلات الجديدة دوراً في مخاوفهم.
 فعلى سبيل المثال نساجون النول اليدوي تم استبدالهم بمغزل بخاري، ولم يكن من السهل بالنسبة لهم العثور على عمل جديد.

خلال الكساد الكبير، تم استنكار فكرة أن التكنولوجيا تستطيع أن تضر أي أحد، الا أنَّ العديد من الناس كانوا يعتقدون أن التقدم التكنولوجي كان السبب في تفشي البطالة، التي وصلتْ إلى درجة عالية، تقريباً ربع الأيدي العاملة في الولايات المتحدة.
وخوفا من رد فعل عنيف ضد البحث العلمي، قام أعضاء المعهد الأمريكي للفيزياء بحملة دعائية في عام ١٩٣٣م ضد هذه الفكرة وتطوعوا لدعم الكوادر التقنية، وكان من بينهم أورفيل رايت، تشارلز لندبرغ ، أميليا ايرهارت وهنري فورد، وقد نجحت حملتهم في وصف قصة البطالة الناجمة عن التكنولوجيا، فقد كان العلماء مصيبين في أنَّ الكساد الكبير لم يكن ناجماً عن التقدم التكنولوجي، الا أنهم لم يقدموا أبداً أي حجج مفادها أنَّ التقدم التكنولوجي لا يمكن من حيث المبدأ أن يسبب مشاكل خطيرة بالنسبة للكثيرين، كما أن فكرة إمكانية  أنَّ التكنولوجيا تخلق مخاطر اقتصادية، كانت أيضاً خاطئة بسبب ارتباطها بما يسمى " Lump of labour fallacy " وميلها إلى وصف المخاطر الناجمة عن التكنولوجيا الجديدة بأنها السبب في فقدان الوظائف، وارتفاع البطالة.

و"Lump of labour fallacy" هي فكرة مفادها أن عدد الوظائف في الاقتصاد ثابتة ، بحيث إذا كانت الآلة تحل محل أي وظيفة واحدة، فإنَّ شخص آخر سيكون من العاطلين عن العمل بشكل دائم.
وهذه مغالطة واضحة، إذ نتوقع بالتأكيد أن معظم النازحين من وظائفهم عثروا على وظائف أخرى، والتي أحيانا تكون وظائف أفضل.
لكن من ناحية أخرى لا توجد مغالطة في فكرة أن الآلات التي تحل محل الوظائف على نطاق واسع تخلق خطر انخفاض دخل الأشخاص، فالناس الذين يتم استبدالهم في وقت التغييرات التكنولوجية واسعة النطاق، في الواقع قد يكونون غير قادرين على العثور على وظائف أخرى، وهناك خطر بأنَّ عليهم أن يتقاضوا أجراً أقل بكثير، على الرغم من الحجج التي تشير إلى عكس ذلك، وهذا مما يدل على أنَّ التقدم التكنولوجي يمكن بالتأكيد أن يخلق تحديات خطيرة للمجتمع.

هناك ثلاثة جوانب أساسية من التكنولوجيا التي يمكن عدّها بأنها تشكل خطراً هاماً اليوم.
الأول: استكمال الجهود العلمية
على مدى العقود القليلة المقبلة، فإنَّ التطور الكامل لهذا العلم سيعتمد على التحكم المحوسب، وهذا يعني استبدال العديد من أنواع العمل البشري عن طريق تكنولوجيا العمل الآلي.
الثاني: زيادة العولمة
فإن إضعاف الحواجز الاقتصادية الدولية يمكن أن يتيح استبدال الأشخاص ذوي الأجور المرتفعة في بلد واحد بأجر أقل في بلد آخر.
الثالث: الآثار المزعزعة لاستقرار التكنولوجيا الجديدة على الاستراتيجية العسكرية

مما لا شك فيه أنَّ الحروب المدمرة أو الأنشطة الإرهابية الرئيسية تشكل مخاطر شديدة ليس فقط على الصعيد السياسي والاجتماعي، وإنما أيضا على الرفاه الاقتصادي.

المشاركات الشائعة